الموت أسهل وجثث مديونة!.. رحلة البحث عن غرفة رعاية مركزة‎

بواسطة: - آخر تحديث: السبت , 22 يناير 2022 - 19:29
الموت أسهل وجثث مديونة!.. رحلة البحث عن غرفة رعاية مركزة‎

معاناة كبيرة يعيشها أهالي المرضى الذين يحتاجون إلى غرفة رعاية مركزة، عادة عندما يصاب المريض بشكل مفاجئ  دون أي أعراض مرضية مسبقة، ومعظمهم يكونوا مصابين بهبوط حاد في الدورة الدموية، أو جلطات أو ضيق في التنفس ونقص حاد في الأكسجين، وغيرها من الحالات الطارئة التي لا تجد ما تفعله سوى المضي قدما في رحلة شاقة بحثا عن غرفة عناية مركزة تمثل لهم طوق النجاة.

التجربة أثبتت أن المعاناة لا تبدأ مع مضاعفات الحالة المرضية، لكنها تتفاقم عندما يطلب الطبيب نقل المريض إلى غرفة عناية مركزة بشكل عاجل،  فمن مركز خاص إلى مستشفى حكومي تجد أن مريضك شارف على الموت مرضا أو قهرا أحيانا، من هنا تبدأ قصتنا في رحلة بحث يكون الموت أسهل منها في كثير من الأوقات.

غرف العناية المركزة مستشفيات حكومية كاملة العدد

“شفاء أون لاين” خاض الرحلة بحثا عن غرفة رعاية مركزة، البداية كانت بالذهاب إلى أحد المستشفيات الحكومية بمنطقة وسط القاهرة مصطحبين تقارير طبية خاصة بحالة مرضية مصابة بجلطة، للسؤال عن توفير غرفة رعاية مركزة بعد التظاهر أن مريض ينتظر في المنزل تحتاج حالته الصحية أن ننقله، وأن سيارة الإسعاف منتظرة معه لتحديد وجهتها بعد توفير الغرفة بمجرد التأكد من وجود مكان يوافق على استقباله.

بمقابلة طبيب الاستقبال أقر بعد الإطلاع على التقارير الطبية أن الحالة تعاني من مضاعفات صحية خطرة لكن لا يوجد غرفة رعاية متوفرة حاليا، بناء على ذلك نصح بالاتصال على خط 137 الخاص بوزارة الصحة والتنسيق معهم بحجة أن المستشفى لديها قوائم انتظار كبيرة من المرضى الذين يحتاجون إلى الرعاية المركزة.

مع إلحاحي الشديد، طلب طبيب الاستقبال ترك رقم هاتف للتواصل في حال إخلاء أي غرفة رعاية من مريض خلال الساعات المقبلة، ذهبت إلى مستشفى أخرى لم يكن الرد مختلفا عن المستشفى السابق فلا يوجد مكان وعلينا التنسيق مع خط طوارئ وزارة الصحة بحثا عن غرفة، هنا بدأت أشدد على أن الحالة الصحية للمريض في تأخر وأن هذه مسؤولية قانونية ودينية وإنسانية، فما كان من الطبيب إلا الرد بأن هذا الأمر يتكرر كل ساعة علي مدار اليوم وغرف الرعاية مكتملة لا يستطيع أن يفعل شيء.

العثور على غرفة رعاية «أملا لا ينقطع»

كونت صورة مماثلة عن الوضع في عدة مستشفيات أخرى بعدة اتصالات أجريتها، وفقدت الأمل في الحصول على معلومة جديدة من المستشفيات الحكومية، فربما هي مكتظة وممتلئة تماما بسبب الضغط العددي عليها، والفجوة بين أعداد الحالات المرضية التي تحتاج للرعاية المركزة في مقابل عدد الغرف والأسرة المتوفرة.

المستشفيات الخاصة.. «اللي معهوش ميلزموش»

غيرت وجهتي نحو المستشفيات الخاصة وفي منطقة المهندسين تحديدا استقبلنا مسؤول الطوارئ بأحد المستشفيات عرضنا عليه الأشعة والتقارير، وهنا أبلغني باستعداد المستشفى الكامل لاستقبال الحالة المرضية، ووجهني إلى ضرورة التحدث مع موظف في الاستقبال.

أسعار غرف العناية المركزة في المستشفيات الخاصة

تحدثت مع الموظف الذي أكد بالفعل وجود غرف رعاية مركزة متاحة لاستقبال الحالة المرضية لكنه اشترط أن يتوفر لدينا إمكانية مادية لدفع 20 ألف جنيه تحت بند تأمين، وقرابة 4 آلاف جنيه قيمة فحوصات طبية وتحاليل سيجريها المريض في استقبال الطوارئ قبل دخوله غرفة الرعاية المركزة، وعندما أبلغته أن المبالغ المالية  كبيرة وغير متوفرة، كان رده: «متأسفين معندناش مكان».

في هذه اللحظة طلبت منه أن أراجع المسؤول عن الحسابات، لمعرفة أدق التفاصيل عن تكلفة الإقامة لليلة الواحدة في غرفة العناية المركزة، بالفعل وصلت إلى مكتبه وأخبرني أن تكلفة الغرفة تتراوح بين 10 آلاف و12 ألف جنيه في اليوم الواحد، وعندما سألت عن سبب عدم تحديد قيمة ثابتة علل ذلك بأن الإقامة ترتفع حسب كمية ونوعية العلاج وشكل الإشراف الطبي، كما أبلغني بأنه في حالة توفير مبلغ التأمين وتكاليف إجراءات الفحص في الطوارئ، لا بد من تغطية الحساب كل 48 ساعة حتى لا تضطر إدارة المستشفى إلى اتخاذ قرار بخروج المريض قبل أن يتمم علاجه.

رست رحلة البحث عن غرفة عناية مركزة إلى مركز خاص مشهور بتوفير غرف الرعاية في شارع البطل أحمد عبدالعزيز بمنطقة المهندسين، لافتته الخارجية مدون عليها استقبال حالات الطوارئ ويوجد قسم حضانات الأطفال، المركز الطبي عبارة عن طابقين داخل مبني سكني كبير.

دخلت إلى المسؤول لعرض التقارير والأشعة الخاصة بالحالة المرضية وأبلغته بحاجتي إلى توفير غرفة رعاية مركزة، وجاء رده أن المركز على أتم الاستعداد لتوفير غرفة لكن بعد دفع 15 ألف جنيه تأمين قبل الدخول، بالإضافة إلى أن سعر الغرفة لن يقل عن 8000 جنيه يوميا، فضلا عن سعر الأدوية والفحوصات، قبل المغادرة وعدته عدنا بتوفير المال اللازم والعودة.

انتقلت إلى مستشفى خاص يتبع جامعة القاهرة لم يختلف الحال كثيرا، بعد الإطلاع على تقارير الحالة الصحية للمريض طلبوا 10 آلاف جنيه تحت الحساب،  و ابلغوني أن سعر الغرفة في اليوم يتراوح بين 8000 إلى 9000، أي أن مبلغ التأمين لا يغطي سوى يوم ونصف.

وبسؤال طبيب الاستقبال ما هي المدة التي قد تستغرقها الحالة داخل غرفة العناية، أجاب أنه لا يستطيع تحديد ذلك الأمر لأنه مرتبط بعمر المريض والحالة الصحية ومدى استجابتها للعلاج، لكنه أوضح بشكل عام أن حالات العناية المركزة تبدأ في الاستقرار بعد أسبوع على الأقل إن لم يتطور الأمر.

الجثث مديونة أحيانا!

وفي مستشفى أخرى بمنطقة الدقي يتراوح سعر غرفة الرعاية ما بين 15 إلى 20 ألف جنيه يوميا، وقبل نقل المريض يتم سداد 30000 تحت الحساب، وأثناء التحدث مع موظف الاستقبال في هذا المستشفى وقعت مشاجرة أمام مكتب الحسابات، وعندما استطلعت الأمر اتضح أن حرب كلامية اندلعت بين أهب مريض متوفى داخل غرفة الرعاية المركزة، بسبب عدم الإفراج عن جثته لوجود مديونية تطلب من أسرته تسديد قرابة 30 ألف جنيه رغم أن المستشفى تلقت من قبل 70 ألف ضمن تكلفة علاجه قبل وفاته، ثم بدأت مفاوضات مع أهله في محاولة من إدارة المستشفى للسيطرة على غضبهم.

العلاج حق دستوري تحميه الدولة

التفاوت السعري في تكلفة دخول غرف الرعاية المركزة، وفوضى المستشفيات الخاصة التي تتعامل مع الحالات المرضية الطارئة من منطلق «اللي معهوش ميلزموش»، في كل الأحوال مخالفة لحق الحصول على العلاج الذي كفله الدستور والقانون، كما أن رفض استقبال الحالات الطارئة سواء في المستشفيات الحكومية أو الخاصة، جريمة كبرى حذر منها كثيرا رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي.

ويجهل كثير من المواطنين الذين يتعرضون لتهرب المستشفيات من استقبالهم في الحالات الطارئة، أنه يحق لمريض الطوارئ تلقي الخدمة الطبية في أول 48 ساعة بأي مستشفى خاص، وفقا لقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1063 لسنة 2014 الخاص بعلاج الحالات المرضية الطارئة.

الرقابة على المستشفيات الخاصة

يقول الدكتور فكري صالح، نائب رئيس قسم الرعايات الحرجة، إن العناية المركزة من الأقسام الحيوية لإنقاذ المرضى الذين يعانون من أعراض خطيرة مثل الجلطات أو ذبحة صدرية مفاجاة ويحتاجون لرعاية خاصة، ولكن مع جهود الدولة لتوفير أكبر عدد من غرف الرعاية، لا بد من وجود متخصصين مدربين تدريب عالي لإدارة تلك الغرف، بداية من رئيس القسم الطبي ومسؤولي التمريض المتخصصون فى الرعايات المركزة، وكذلك طبيب تخدير، وعلاج طبيعى، لمتابعة حالة المريض منذ دخوله إلى المستشفى وحتى خروجه.

وأوضح أن غرف الرعاية المركزة تحتوي على تجهيزات كثيرة تتكلف مبالغ طائلة، والغرفة الواحدة من سرير متصل بجهاز تنفس، واجهزة متابعة دورية لضربات القلب، ومضخات، وغير ذلك من الأدوات والمعدات الطبية اللازمة لرصد أدق تفاصيل حالة المريض .

وحول تكلفة تجهيز الغرفة الواحدة قال الدكتور فكري، إنها تتراوح من مليون جنيه مصري إلى مليون و500 ألف، لأن هناك عدة أنواع من الغرف المجهزة،  منها العامة وعناية القلب و غرف عناية الأطفال، وغير ذلك من الرعايات المختلفة، ويجب أن يكون لكل غرفة فريق تمريض على أعلى مستوى.

أزمة غرف الرعاية المركزة في طريقها للحل

يبلغ عدد  أسرة الرعاية المركزة – حسب تصريحات الدكتور شريف وديع مستشار وزير الصحة للرعايات – 5500 سرير داخل مستشفيات وزارة الصحة، و4500 سرير تمتلكها المستشفيات التابعة لوزارة التعليم العالى، بالاضافة لامتلاك المستشفيات الخاصة ما يزيد عن 6000 آلاف سرير مجهزة لاستقبال المرضى.

مستشار وزير الصحة للرعايات، أوضح أن جائحة فيروس كورونا المستجد فاقمت مطلع عام 2020 أزمة توفير غرف الرعاية المركزة التي كانت موجودة بالفعل بعد ازدياد الطلب عليها، وأن المشكلة لا تكمن فقط في قلة عدد أسرة الرعاية، بل بسبب نقص التخصصات الطبية بالرعايات المخصصة للأطفال وحالات المخ والأعصاب، وهو ما تعاملت معه الحكومة  بشكل سريع أثناء ذروة تفشي الوباء، مؤكدا على أنه عند تطبيق قانون التأمين الصحي الشامل لن تكون هناك أي أزمة في غرف الرعايات.

وحول الرقابة على المستشفيات الخاصة وأسعارها قال الدكتور شريف وديع، إن هناك تسعيرة موحدة من وزارة الصحة يجب أن تلتزم بها تلك المستشفيات والمراكز الخاصة، ومن يخالف ذلك يتعرض للمساءلة أو الغلق، مضيفا ان هناك إدارة العلاج الحر بوزارة الصحة تتلقى الشكاوى وتقوم بالتفتيش على تلك المنشأت، وتحقق في جميع الشكاوى التي تتلقاها من المواطنين بل وتقوم بالتفتيش الدوري على العيادات والمستشفيات الخاصة.